رسالة المستشار والمحامي محمد أحمد السعدي

إن المحاماة فن رفيع و ليست كأي مهنة فهي من أجّل المهن وأشرفها وهي وسيلة إلى كشف الحقيقة وتحقيق العدل، والحياة لا تزدهر إلا بهما. ولما كانت المحاماة فن فلابد لها من موهبة.

و الموهبة هي مجموعة من الملكات والأصول الكامنة في النفس وشخصية المحامي التي إذا تزودت بالدين والأخلاق ونهلت من العلم والمعرفة وصقلتها الخبرة فتكون كالضوء اللامع.

ولا شك أن الأخلاق هي أساس النجاح في الحياة بصفة عامة وهي الموصلة إلى الأهداف إعمالاً لقوله صل الله عليه وسلم " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"

لأن الأخلاق قوامها الإيمان والأمانة والأدب والإستقامة و التواضع وضبط النفس والتسامح والصبر والإخلاص و شجاعة الرأي والتضحية.

الأساس الشرعي لمهنة المحاماة

فلو أردنا معرفة الأساس الشرعي لمهنة المحاماة لوجدنا أن الرسول صل الله عليه وسلم  كان المشرع الأول لهذه المهنة وذلك مصداقا لقوله (ص):

((من مشى مع مظلوم حتى يثبت له حقه ثبت الله قدميه على الصراط يوم تزول الأقدام )) .رواه إبن أبي الدنيا ( صحيح الترغيب ) وحّسنة الألباني .

فهذا الحديث فتح الباب الشرعي أمام مهنة المحاماة من خلال إجازته الدفاع عن المظلومين وان ثواب ذلك الأمر عظيم جدا .

لذلك فإن مهمة المحامي عظيمة كونه يؤدي رسالة هدفها الوصول إلى الحقيقة والعدالة، فلا تصرعه شهوات المال فهو القضاء الواقف الذي يعين القضاء الجالس في سبيل إحقاق الحق.

أخلاقيات المحامي :

وبناء على ما تقدم على المحامي أنيكون سنداً للمظلومين سواء كانوا من الفقراء أم الأغنياء وأن يكون لهم ناصحاً آميناً، وأن يكون قائداً حكيماً لمنازعاتهم بسياسة الأخلاق وفن القانون ولا يكون أداة لموكله في الظلم وهضم الحقوق، وهذا ما أمرنا به الله عزّ وجل ونستشهد بالآية الكريمة قوله عز وجل إلى الرسول صل الله عليه وسلم (( ولا تكن للخائنين خصيما ))  لذلك لابد أن يكون هو سيد الموقف الناهي عن الظلم و الآمر بالحق، فإذا خالف هذا المبدأ فمآل عمله الفشل حتى ولو حقق النجاحات الظالمة، فإن الله عزّ وجل يمهل ولا يهمل.

فالمحامي هو القاضي الأول في الدعوى فهو يدرسها ويزن أدلتها فإذا وجد أن الحق مع صاحبها إنبرى للدفاع عنه بكل قوة متسلحا بأخلاق الفارس الذي يواجه خصومه بكل نزاهة مترفعا عن اللجوء إلى الوسائل الخسيسة والدنيئة للإنتصار على الخصم ،ففي معركة الدفاع عن الحق يجب أن يكون المحامي فارسا بكل معنى الكلمة، فلا يجهز على خصمه إذا إستسلم أو فقد الخصم بعض الأدلة التي تثبت حق ذلك الخصم، ففي هذه الحالة فإذا فعل هذا وحكم له القاضي يكون إرتكب حراما ومصداق ذلك حديث الرسول عليه الصلاة والسلام حين قال: عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صل الله عليه وسلم:

(( إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فأنا أقطع له قطعة من نار يأتي بها يوم القيامة )).

وقد يرى البعض أنه إذا لم يساير موكله على الخطأ فإنه قد يذهب لغيره فالأفضل أن يظفر بالدعوى وأتعابها ناسياً أنه قد حلف اليمين على أن يكون معاوناً للقضاء وناصراً للعدالة وأن الرزق من عند الله لقوله عزّ وجل " ورزقكم في السماء وما توعدون " وقوله جل شأنه " من يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب " وما روى عنه  صلّ الله عليه وسلم " الصدق منجاة ".

فبإمكان المحامي أن يقنع المخطئ بالعدول عن الخطأ وأن يسير في الدعوى بطريق التصالح (المصالحة) والتسامح وأن يستمر مع موكله بكلمة الحق ولا يجادل بالباطل حتى ولو خسر دعواه فإنه لن يخسر سمعته في ميزان العدالة ولن يخسر دينه ودنياه، وعليه أن يتذكر دائماً قول المولى تبارك وتعالى (( ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلاً )) صدق الله العظيم.

ومن واقع التطبيق العملي فقد جرى إتهام أحد الأشخاص بأنه قد خان الأمانة وأحيل للمحكمة على هذه التهمة وقد أنكر التهمة المنسوبة إليه أمام القضاء، و لما حددت جلسة الدفاع تبين من أوراق الدعوى خطأ المتهم والذي يترتب عليه الإدانة، وطرحت عليه أمر الاعتراف أو إسترجاع أتعابه التي دفعت للمكتب والتصرف بنفسه في هذه الدعوى، عند ذلك أقر المتهم بخطاه وطلب العون لمساعدته أمام القضاء لتخفيف العقوبة وأنه مستعد لجبر الضرر الذي إرتكبه،  وعند حضور المتهم جلسة الدفاع قدمت مرافعتي أمام القضاء  وتفاجأ القاضي بأن المتهم يعدل عن إنكاره للتهمة ويدعو الله عز وجل أن يفتح له أبواب الرحمة ويلتمس من عدالة المحكمة تخفيف العقوبة كونه قد اعترف بالتهمة المنسوبة إليه، وندم على خطأه وأنه لن يعود لمثل هذا الخطأ، وإذا بملامح قاضي المحكمة تتغير من الشدة إلى العطف على المتهم و يطلب مني أن أجري الصلح  بينه والمجني عليه، وأجلت القضية للتسوية لذلك كان الصدق منجاة .

ومن الواقع العملي أيضاً أن إمرأة أجنبية أدينت بالمشاركة الإجرامية في جناية الخطف والإغتصاب والتحريض على الفجور والسرقة وقد زجت بالسجن لقرابة ثمانية أشهر وهي بريئة من هذه التهم ولكن الأدلة ضدها لبعض الأخطاء في الإجراءات وفي ترجمة أقوالها لكونها لا تجيد اللغة العربية مما ساء موقفها أمام العدالة فرفضت النيابة والمحكمة المختصة تكفيلها إلى حين صدور الحكم ببراءتها ، حيث جاءها الفرج من الله عزّ وجل بعدة قرائن بسيطة ساندت بعضها البعض في كشف الحقيقة المفقودة فصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال " الصدق منجاه " وفي الختام نسأل الله عز وجل أن يوفقنا والأخوة الزملاء إلى ما فيه الحق والعدل وأن ينصرنا بالحق وينصر الحق بنا. 

المحامي والمستشار القانوني 
محمد أحمد السعدي

Message From The Chairman